الشيخ هادي النويني
بطاقته الشخصية :
هو الشيخ هادي بن الشيخ عبود بن الشيخ مهدي النويني الغراوي نسبة إلى قبيلة
آل غرة العراقية .
ولد في النجف الأشرف عام 1344 هـ ونشأ وتربى بأحضان أسرة اتخذت خدمة الحسين
عليه السلام عزاً وشرفاً لها في العمل فانتسب أغلب المبرزين من شخصيات هذه
الأسرة إلى هذا السلك الكريم وقد اشتهروا بأصوات تصدح رقة وشجاءاً فأبوه
الشيخ عبود وجده الشيخ مهدي من أكابر خدمة المنبر ومن الذي عاصرناهم الخطيب
الرادود الشيخ جاسم النويني والخطيب الشيخ كاظم النويني والخطيب الشيخ محمد
جواد النويني والخطيب الشيخ مهدي النويني والخطيب الشيخ محمد النويني
والخطيب الشيخ محمد حسن النويني وبطبيعة الحال يبقى شيخهم المبرز وأستاذهم
الأكبر هو شيخنا المترجم رحمه الله .
دراسته وخطابته :
لا شك انه تلقى الدروس الحوزوية المعتادة من فقه ومنطق والعلوم العربية على
يد أساتذة كرام في حوزة النجف الأشرف ، بيد اننا لم نطلع على أرقام واضحة
عن تلك الدروس والأساتذة ، سوى انه في مجال اختصاصه الخطابي تتلمذ على
والده المرحوم الشيخ عبود النويني .
حضرت مجالسه في النجف الأشرف وفي الكويت فرأيته يجمع بين الوقار والورع
واللباقة فيما يستعرض من مواضيع منقحة وبحوث محققة وخصوصاً فيما يتعلق
بواقعة الطف فقد كان رحمه الله شديد الورع والتحرج من ارسال الروايات على
عواهنها وإذا ما اضطر إلى ذكر حادثة تاريخية أو لقطة تحليلية خصوصاً فيما
يتعلق بأحداث الطف يشير عند استعراضها بقوله ان لم ترد رواية فنتحدث بمقتضى
الحال ، أو أن هذه الرواية لم أتحقق منها ولكنها منطبقة وموافقة لمقتضى
الحال ويكثر من قوله أيها الأخوة أيها الأحبة ، ولاحظت عليه انه لا يقف عند
ساكن في اعراب الكلمات بل يعرب . ويحرك حتى عند التوقف في نهاية الجملة أو
العبارة .
وإجمالاً كانت مواضيعه ممتعة ومجالسة شيقة وشخصيته محبوبة وخطابته متفوقة
واتذكر مرة انه كان يقرأ في المسجد الهندي لإحدى جمعيات الكسبة كمت هو
المعتاد حيث لكل صنف مجلسه الخاص باسمه فهذا مجلس العطارين وهذا مجلس
المعلمين وهذا مجلس الحمالين وذاك مجس القصابين وحتى أصحاب الحمّامّات
العمومية ، وعلى ما اعتقد ان المجلس كان لهم في الجامع الهندي ، ولما ارتقى
الشيخ المنبر فاجأه انقطاع التيار الكهربائي فتوقفت مكبرة الصوت عن العمل
فارتجل الشيخ مجلساً حسب مقتضى الحال واستحضر فوراً معلومات عن أديسون
والكهرباء وفضله على الناس ثم لا أتذكر كيف ربط الموضوع بأحداث الطف ، وما
ذلك إلا لمقدرته ويقظته وتوقد ذهنه ، وأما صوته فجرس من أجراس كربلاء إذا
صدح بطريقته المتميزة المعروفة وتلحينه المستقل هزّ أوتار القلوب رقة
وشجاءاً ، وانتزع أنهار الدموع ما المآقي حزناً ووفاءاً لما حل بساحة أهل
البيت عليهم السلام من خطب أليم ومصاب عظيم ، وكانت أغلب مجالسه في محافظة
ميسان بمركز مدينة العمارة وخصوصاً في شهر رمضان المبارك .
وحدثني المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب انه دخل عليه وهو على
المنبر في احد تلكم المجالس فرحب بي ترحيباً حاراً وأخجلني بثنائه واطرائه
أمام ذلك الجمهور الكبير المحتشد تحت منبره ، وتوثقت العلاقة والصلة فيما
بعد بين الخطيبين العلمين النويني والحسيني .
وأما مجالس عاشوراء فكانت توجه له الدعوة وتعقد له المحافل في دولة الكويت
في حسينية البكاي وحسينية عليّان ومسجد البحارنة على ما أتذكر .
وبعد فراغه من موسم عاشوراء تتسلسل مجاسه في النجف الأشرف على شكل عشرات
لمختلف الأصناف والفئات الاجتماعية كما مرت الإشارة .
مرضه ووفاته :
ألم به المرض وصارع السقام فترة ليست بالقصيرة ، وأُدخل المستشفى الأميري
في الكويت ، فتدفق المؤمنون لعيادته متمنين له الصحة والعافية ضارعين إلى
الله رافعين أكف الدعاء ان يلبسه ثوب الشفاء وحالفني الأجر والتوفيق
لزيارته مع الأستاذ الخطيب السيد جابر أغائي وجرت بينهما بعض عبارات المودة
والتندر ، وعلق أحدهما على الآخر بتعاليق لطيفة ثم انتهت الزيارة ، وبعد
أيام غادر المستشفى ونقل إلى النجف الأشرف ولزم بيته على فراش المرض بين
أسرته الكريمة حتى وافاه الأجل وارتفعت روحه إلى بارئها عام 1398 هـ وهو
لما يزل في منتصف العقد السادس من عمره الذي قضاءه بخدمة سيد الشهداء عليه
السلام مخلصاً وفياً وهادياً مهديا .
فشيع جثمانه تشييعاً حسينياً لائقاً حتى دخل الصحن الحيدري الشريف فرقد في
حمى أمير المؤمنين عليه السلام ودفن بجواره كما كان يردد :
إذا متُّ فادفني مجاور iiحيدر أبـا شـبر أعني به iiوشبير
فلست أخاف النار عند جواره ولا أتـقي مـن منكر iiونكير |
فواتحه ومراثيه :
أقيمت على روحه فاتحة كبرى من قبل أسرته ثم أعقبتها فاتحة أخرى أقامها
خطباء المنبر الحسيني وبادر الأدباء والشعراء والخطباء لتأبينه ورثائه وكان
من بينهم الخطيب المرحوم السيد عبد المطلب أبو الريحة ابّنّه بهذه القصيدة
:
اثـكلت فـي تـرحالك iiالأعوادا لا غـرو وان لبست عليك iiحدادا
يـا هـادياً مـلأ الـقلوب iiبهديه فـلذاك اعـطته الـقلوب iiقـيادا
يـا واعـظاً حلو الحديث iiكلامه أبــداً يـسيل عـذوبة وسـدادا
أتـقنت فـناً لـلخطابة iiفازدهت فـيك الـخطابة مذ حبتك iiرشادا
قـد كـنت في مضمارها حقاً وما بـالغت أتـعبت الـجياد iiجـوادا
بوركت في هذي الحياة إذا اغتدت مـنك الـحياة عـقيدة iiوجـهادا
فـحياة كـل مـقصر هي iiشقوة وتـرى حـياة الـعاملين iiسـعادا |
يا راحلاً وله القلوب تأججت تـذكو بـها ارزاؤه iiايـقادا
قـد شـيعته بالدموع نواظر وبـلوعة قـد أودت iiالاكبادا
اودعت ذكراك القلوب iiفانها أبـداً تـظل مـحبة iiوودادا
فـافخر بانك قد خدمت iiلسيد أضحى به شمل الطغاة iiبدادا
ذيـاك خادمه الأمين iiلطالما أضـحى يـناغيه يهز مهادا
مـن امـه الزهراء حقاً iiانه خـير الأنـام عشيرة اجدادا
فـاهنأ بلقياك الحسين iiوآله ولأن تركت الأهل iiوالأولادا
أأبـا الـكمال وهذه iiأنشودة أشـدو بـها اعددتها أعدادا |
وقد ألحق بها الخطيب الشيخ نعمة الخفاجي بيتاً أرخ فيه سنة الوفاة فقال :
لا لـم تـمت حياً بما قدمته من خدمة أرخ فخذه فرادا(1)
كما أبنه المرحوم الخطيب الكبير الشيخ جواد قسام بقصيدة عصماء قال فيها :
بـكي الـمنابر لـوعة وتـنادي مـن بـعد هـادٍ لـلحقيقة iiهادي
قـد كـان يـسحر سامعيه iiبيانه بـالوعظ والـتوجيه iiوالارشـاد
ذكـراه سـفر بـالفضائل iiخـالد تـبلى بـكل فـم مـدى الآبـاد
قـد عـاجلته يد المنون iiفاطفأت نـوراً لـذاك الـكوكب iiالـوقاد
كـثر مـزاياه الـحسان iiوانـها فـاقت عـن الاحـصاء iiوالتعداد
حملوا على الأعواد شخصك ام هم حـملوا الـتقى فيها على iiالأعواد
قـد كنت في نادي الفضائل iiلامعاً وقـد انـطفى أسفي ضياء iiالنادي
كم كنت في حقل الخطابة iiصادحاً كـالـبلبل الـغـريد بـالانـشاد
أمـا رقـى الأعواد يخطب خلته كـالسيل مـنحدراً مـن iiالاطواد |
وهذه القصيدة رثاه بها الخطيب الشيخ عبد الأمير الحسناوي :
لك في القلوب لواعج ولهيب بـل كل عين دعها iiمسكوب
يا ذاكر السبط الشهيد iiبكربلا حـقاً لفقدك ان تشق iiقلوب
ان المحافل بعد فقدك iiأعولت والـمنبر المفجوع فيك iiكئيب
ورفـاقك الـخطباء كلٌّ iiمنهم قـلب لـه بالحزن كاد يذوب
يا هادياً اجرى الدموع مصابه يـبكي فراقك منبر iiوخطيب
(1) ـ خطباء المنبر 2 / 273
.
|