الخطيب المرحوم السيد صالح الحلي

نسبه :

لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى تسلسل نسب السيد المترجم ، وترابط الحلقات التي توصله إلى نسبه الحسيني ، ولم أعثر في حدود تتبعي واستقرائي لمن ترجم له إلا على اسم أبيه وجده فقط ، فهو السيد صالح بن السيد حسين بن السيد محمد وكأنه بذلك من قصار النسب وهذا ما تفخر به الحضارة العربية عندما تمجد شخصية هامة تقول عنها فلان قصير النسب ، وهذا دليل على أهمية الشخصية واشتهار صيتها والانتساب إليها ولا تنتسب هي إلى أحد من أعلام أُسرتها لتعرّف به ، بخلاف بعض الشخصيات المغمورة التي لابد من ربطها بشخصية لامعة شهيرة لتعرف هويتها النسبية بتلك الشخصية .

أما سيدنا المترجم فيكفي أن يقال السيد صالح الحلي فله ينتسب وبه يعرف ولا يحتاج أن يعرفه أحد وكفى بذلك فخراً ونسباً .

كني بأبي المهدي وتقولها عامة الناس بالتصغير فتدعوه (أبو مهيدي) حباً به واعتزازاً بشخصيته .

ولادته :

ولقب بالحلي نسبة إلى الحلة الفيحاء المدينة التي ولد فيها في عام 1289 هـ ، ثم هاجر منها قبل أن يكمل العقد الثاني من عمره إلى مركز الدراسات الدينية في النجف الأشرف ، وانخرط في صفوف طلبة العلوم الإسلامية ، وانتسب للحوزة العلمية طالباً مجداً متفوقاً وأشرف على تدريسه نخبة من اجلاء الأساتذة ، وفضلاء الحوزة فقد أكمل دروس اللغة العربية والمعاني والبيان على يد الشيخ سعيد الحلي والشيخ عبد الحسين الجواهري ، وتلقى مبادئ الفقه الإسلامي وأصوله عن العلامة السيد عدنان السيد شبّر الغريفي الموسوي والعلامة الشيخ جواد محي الدين ثم حضر المناهج المقررة في كتاب الرسائل والمكاسب عند الشيخ علي بن الشيخ باقر الجواهري وبعدها واصل دراسته العليا وحضر البحوث الخارجية لأكابر العلماء كبحوث الشيخ محمد طه نجف وآغا رضا الهمداني وآغا نور الاسترابادي والشيخ ملا كاظم الخراساني صاحب الكافية ، وهكذا تبدو أوليات السيد المترجم لاعلاقة لها بالخطابة ولأصله لها بخدمة المنبر الحسيني ، وإنما ابتدأ حياته متدرّجاً في طلب العلم ، متسلّقاً سلّم الفضيلة حتى نال قسطاً وافراً منها ، وقطع شوطاً كبيراً ومساحة واسعة من التوغل في علوم آل محمد ثم اتجه إلى منبر الحسين عليه السلام ليكون نابغة الخطباء ومفخرة المنابر الحسينية .

خطابته :

الخطابة موهبة تنمى وفق الأسس العلمية والممارسة العملية فكيف إذا انبثقت من الأساس العلمي المتين ، وانطلقت من القواعد الثقافية الرصينة ، تعضدها الكفاءة والاستعداد ، وتسندها الجرأة وقوة الشخصية وتخالطها العبقرية والنبوغ ، إضافة إلى الصوت الهادر المجلجل ، والحنجرة المؤثرة النافذة إلى الأعماق ، فلابد لهذه الشخصية أن تقفز بخطوات سريعة واثقة مراقي المجد والإبداع .

لقد انبثقت خطابة السيد الحلي من منابع العلم والفضل ، وحلقت في سماء الكفاءة والاقتدار ، لذلك قيل فيه إنه خطيب العلماء وعالم الخطباء .

وفوق كل ذلك عناية الله وتوفيقه ورعايته وتسديده والنوايا المخلصة والمقاصد الشريفة ونزاهة السرائر وطهارة الضمائر من أهم العوامل الأساسية في نجاح الخطيب وتفوقه وتقديم مسيرته أو كما اشتهر عن السيد المترجم قوله : إن الخطيب يحتج إلى ثلاث حاءات (الحس والحظ والحفظ) .

لذلك بعد أن نال حظه من العلم وجّه طاقته شطر الخطابة وتوجه تلقاء المنبر الحسيني ، بكل ثقله العلمي وإمكانياته الهائلة حفظاً وتركيزاً واطلاعاً واعداداً ، فعكف أولاً على حفظ الخطب الغرر والتقاط الجوهر والدرر من كتاب نهج البلاغة وراح يتفاعل مع خطب الخطيب الأول في الإسلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان من حسن حظه أن أشرف على توجيهه وارشاده العلامة القدير السيد باقر الهندي رضوان الله عليه الذي سخى بخبرته العلمية وسهر على بناء شخصيته الخطابية بما كان يرسم له من هياكل البحوث المنبرية ، وأصول الخطابة الحسينية ، حتى لمع نجمه وحلّق وبرع بفنّه وتفوّق .

دراسته:

أما عن سبب تحوله من مسلك علماء الدين إلى سلك خطباء الحسين ففيه ثلاث روايات :

الرواية الأولى : رواية الأديب العراقي الكبير المرحوم جعفر الخليلي أن السيد المترجم حفظ القرآن ونهج البلاغة عن ظهر قلب ثم رقى المنبر في بيت صديق له بمناسبة محرم الحرام حين استبطأوا مجيء الخطيب ، فأنس في نفسه مقدره ، وزاده إعجاب المستمعين إليه رغبة في الاستمرار على صعود المنابر فلم يلبث حتى امتهن الخطابة وصار أشهر خطباء المنابر الحسينية من غير قصد سابق(1).

الرواية الثانية : رواية المرجاني في خطباء المنبر الحسيني(2)يعزو الأمر إلى شظف العيش وشدة الحاجة والفقر المدقع مع كونه عائلاً لا يملك قوت يومه ، حتى كان موضع الاشفاق والعناية من قبل آية الله الشيخ جعفر الشيخ راضي قدس سره لما كان يتوسم فيه من إمارات النبوغ ، فاتخذ الخطابة مهنة ووسيلة للعيش الكريم وسد الحاجة في الخطوات الأولى حتى ثنيت له وسادة المنبر وأصبح الخطيب الأول على الإطلاق .

الرواية الثالثة : ما حدثني به العلامة الأبي الشيخ خير الله البصري عن السيد هادي بن السيد كافي الحلي الذي التقاه في منطقة المهناوية بالعراق عندما كان مندوباً دينياً فيها قال إن السيد المترجم قصد زيارة الحسين مشياً على الأقدام مع كوكبة من أهل العلم ، وبينما هم يجدون السير إذ أقبلت إليهم امرأة يبدو أنها من سكان ذلك الريف ومن نساء بعض شيوخ العشائر القاطنة هناك فسألت ذلك الموكب الديني الزائر هل فيكم أحد يقرأ على الحسين ؟ فأجابها السيد نعم أنا ، ومضى إلى المجلس الحسيني المنعقد بذلك الحي وأقام عندهم أربعة أيام معززاً مكرماً ، وبعد انتهاء مهمته وعزمه على اللحاق برفاقه وتأدية مراسم الزيارة أكرموه بخمس روبيات العملة السائدة يومئذ وكان لا بأس بقيمتها الفعلية وقوتها الشرائية ، فجاء إلى أصحابه مستبشراً ومداعباً فقال لهم : لقد خدمت عند الله ثلاثين عاماً فلم يعطني روبية واحدة ، وخدمت عند الحسين أربعة أيام فأعطاني خمس روبيات فسوف أنقل خدماتي إلى الحسين .

وبطبيعة الحال يقول ذلك مازحاً وملاطفاً ، وإلا فالعطاء كله من الله وبيد الله عز وجل .

هذه الروايات الثلاثة هي ملخص ما ورد في كيفية انتساب السيد الحلي للخدمة الحسينية ، وتحوله وانتقاله من محراب العلم إلى منبر الخطابة ، حتى أصبح من مشاهير الخطباء الكبار ، وعظماء المنابر المرموقين .

وذكر المؤرخ الحسيني الخبير السيد جواد شبّر كشف الله كربته في موسوعة أدب الطف أن ليس في عصر السيد الحلي من الخطباء المجددين سوى الشيخ كاظم السبتي فهو أظهر الخطباء وأبرزهم فنبغ السيد صالح وأخذ يجاريه ويزاحمه .... وكان من المتعارف أن يجتمع خطيبان في محفل واحد بالتعاقب ، وصادف أن دُعي الخطيبان : سبتي والحلي ولحداثة سن السيد صالح والأصول المتبادلة في احترام الخطباء للأكبر سناً فقد رضي السيد صالح أن يكون هو الأول كمقدمة للشيخ كاظم . أما المعروف بين الناس أن الخطيب الثاني إنما تظهر براعته إذا تناول نفس الموضوع الذي طرقه الخطيب الأول بإضافة شيء جديد وتتمة للموضوع الأول ، فكان حديث السيد صالح عن سيرة أبي الفضل العباس وهكذا تقدم الشيخ كاظم وتكلم فأجاد ، ولم يكن بحسبان شيخنا الخطيب أن السيد صالح قد أعدّ نفسه وهيأ من المادة الكافية للتحدث عن أبي الفضل العباس في الليالي العشر كلها ، وهذه براعة منبرية وقدرة تؤهله للتقدم والبروز وهكذا استمر في حياته بطلاً منبرياً(3).

وذكر الباحث العراقي الأستاذ جعفر الخليلي حديثاً عن المقدرة الخلاقة والحافظة الخارقة للسيد المترجم فقال : ولقد بلغ من مقدرته أن التزم قراءة المأتم الحسيني لجمعية المكارين الذين يؤجرون حميرهم وبغالهم للمسافرين بين النجف والمدن المتصلة بها ، فقرأ لهم عشرة أيام ، بل على الأصح أنه حاضر لهم عشرة أيام لأن خطيب السيد صالح كلها أشبه بالمحاضرات منها بأي شيء آخر والتعبير للخليلي فلم يخرج خلال هذه الأيام العشرة عن حديث الحمير والبغال والقوافل وأخبارها القديمة والحديثة وقصصها ، فكان الناس بمختلف طبقاتهم يعافون أشغالهم ويحضرون تلك المحاضرات التي ظلت مدة طويلة موضوع أحاديث الناس وتفكههم ومثار إعجابهم وغبطتهم على هذه الموهبة .

ومن ميزات السيد صالح أنه كان سريع الحفظ وكانت بينه وبين الشيخ كاظم سبتي ـ وهو من مشاهير الخطباء المعاصرين له ـ غضاضة ، فلم يكد يسمع الشيخ كاظم يقرأ لنفسه قصيدة في رثاء الحسين على المنبر حتى يحفظ الكثير من أبياتها لأول مرة وهناك يصعد المنبر في نفس اليوم ، أو اليوم الآخر ، ويقرأ شيئاً مما كان حفظ من قصيدة الشيخ كاظم السبتي ، ولربما أضاف إليها أبياتاً أخرى منه ، ثم يروح مندداً بالسبتي قائلاً : إن هذه القصيدة قديمة وهي لأحد الشعراء القدماء ، وذلك بذليل حفظي لها من أيام الصغر ولكن بعض المعاصرين وهو يعني السبتي يستغلون جهل الناس فينسبونها لأنفسهم(4).

وكانت له مقدرة رهيبة في التفنن في توجيه النصوص حسب ما يشاء ، واستخدام أنواع البديع ، والتلاعب بالألفاظ بما يمتلك من قابليات بلاغية ، وتخصص في الفصاحة والبيان ، وطالما يوجه حتى بعض آيات القرآن الكريم للدعابة والنكتة اللاذعة الذكية ، ومن ذلك ما حدثني به ذات مرة العلامة المجاهد الشيخ مهدي الآصفي إن عائلة المزيدي الكويتية وهي من العوائل العريقة التي تمتد جذورها إلى الحلة بلد المترجم له ، وربما لهذا السبب دخل  في دعوتهم السيد الحلي ليرقى المنبر خطيباً في أحد مجالسهم ، فما كان منه عند اعتلاءه الأعواد إلا أن يفتتح مداعباً بالآية الكريمة : (يوم نقول لجهم هل امتلأت وتقول هم من مزيد)(5). قرأها بياء النسبة هل من مزيدي .. فضج المجلس بالضحك والانبهار .

وحدثني العلامة المرحوم السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب إن السيد الحلي رقى المنبر ذات يوم بحضور الشيخ السبتي فقرأ الآية الكريمة (أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السبت)(6) ، وأيضاً قرأها بياء النسبة أصحاب السبتي معرضاً بالشيخ السبتي .

كما سمعت من العلامة الدكتور الشيخ عيسى الخاقاني قال عندما حصل خلاف السيد الحلي مع السيد أبي الحسن الموسوي الاصفهاني على أثر مسائل الشعائر الحسينية ، كان السيد الحلي إذا رأى السيد أبا الحسن يرفع صوته بالآية الكريمة (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه) ولا تخفى اللفتة البارعة في التعبير حيث ان السيد أب الحسن كان يوزع الخبز على طلبة العلوم الدينية ويطلق على الخبز باللسان الفارسي (نون) ، فانتزع من الآية تعريضاً ظريفاً وذكياً ، ان السيد أبا الحسن انما كثر أعوانه وأنصاره لانه يمدهم بالخبز ويغدق عليهم العطاء .

وهناك القصص الكثيرة والحكايات المثيرة التي يتناقلها الناس عن براعة السيد الحلي المنبرية والتي لا مجال لحصرها في هذه الترجمة .

شعره :

الخطابة والشعر توأمان وفرسا رهان فبآي آلاء ربكما تكذبان إن أول خطوة يخطوها الخطيب الحسيني تبدأ من الشعر وآخر خطوة تنتهي إليها نقطة الشعر .

فالشعر من أهم المواد والمقومات الأساسية لصناعة الخطابة الحسينية وصياغة الشخصية المنبرية .

وخطيبنا الأديب المترجم قرض الشعر بقسميه الفصيح والدارج منذ دور الصبا وعهد الفتوة ، وقد جمع له تلميذه المبرز الخطيب الشهير المرحوم السيد حسن الشخص شتات ديوانه الشعري المعنون بالباقيات الصالحات ، وقد نشرت له عدة قصائد في الجزء الأول من كتاب من لا يحضره الخطيب ، ونشر له الشاعر الحسيني الأستاذ الشيخ محمد باقر الايرواني النجفي باقة من أشعاره في أهل البيت عليهم السلام هذه مطالعها ونماذج منها :

1ـ قال في رثاء سيد الخلق والخُلق رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلّم قصيدة من اثنين وعشرين بيتاً مطلعها :

رزءٌ أطلّ فجلَّ في الأرزاء      زفراته  هبت على iiالغبراء

2ـ وله في مديح سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قصيدة من سبعة عشر بيتاً يستهلها بقوله :

أبا حسنٍ ليس كيفٌ وحد      يـحددُ ذاتـكَ إلا iiالأحد

3ـ وفي رثائه عليه السلام قصيدة من ست وعشرين بيتاً يفتتحها :

خطبٌ  أذابَ من البتولِ iiفؤادَها      وأذابَ من عينِ الرسولِ فؤادها

4ـ ومن قصائده الشهيرة مستنهضاً صاحب الأمر وراثياً الزهراء عليهما السلام قصيدته الغرّاء :

يـا مدرك الثار البدار البدار      شن على حرب عداك المغار

وهي من أروع قصائد الولاء الخماسية تضمنت أربع وأربعين بيتاً منها البيتان الشهيران على ألسنة الخطباء :

قـد  ورثت من أُمها iiزينب      كل الذي جرى عليها iiوصار
وزادت الـبنت عـلى iiأُمها      من دارها تهدى إلى شرّ دار

5ـ ورثى الزهراء والحسين بقصيدة واحدة من ثلاثة وثلاثين بيتاً ابتدأها بقوله :

خليلي عوجا بن على الحي واحبسا      قـلوصيكما  فـي رامـةٍ لا iiتغلّسا

ومنها يقول :

خـليلي  ما وجدي لفقد iiأحبتي      ولـكنما وجـدي لـسيدة iiالنسا
هي البضعة الزهرا سليلة أحمد      وخامسة الاشباح صاحبة iiالكسا

ثم ينعطف نحو الحسين عليه السلام فيقول :

خـليلي  مـا وجـدي لـفقد iiأحبتي      ولـكـنما وجــدي لـسيدة الـنسا
هـي  الـبضعة الزهرا سليلة iiأحمد      وخـامسة الاشـباح صـاحبة iiالكسا

6ـ ومن شعره في مصائب الزهراء والاشارة المجملة لرثاء أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام قصيدته العينية المؤلفة من اثنين وعشرين بيتاً منها البيت الشهير الذي يستشهد به الخطباء :

 

ومطلع القصيدة :

لمصائب الزهرا هجرت المضجعا      واذبـت  قـلبي من جفوني iiأدمعا

7ـ وكذلك في رثاء الصديقة الطاهرة ثم يرثي الحسين في آخر لاميته العصماء التي اتحد فيها الصدر والعجز بقافية واحدة في واحد وثلاثين بيتاً أولها :

دع  تفاصيلاً وسلني جملا      لم تطق تسمع ما قد فصلا

وآخرها :

إنَّ صبري وسلّوي رحلا      وشجوني  وسهادي iiنزلا

8ـ ومن قصائده الحماسية ميمية رائعة من تسع وعشرين بيتاً يؤشر في مقدمتها إلى خروج الإمام المهدي ، ويستعرض اقصاء علي عن قيادة الأمة وتطرق إلى محنة الزهراء وظلامتها فيبدأ :

ولابـد  من يومٍ به نكشفُ الظلما      ونـملئها  عـدلاً كما ملئت iiظلما
ونوردها للخيل شقراً على iiالعدى      ولكن بفيض النحر نصدرها دهما

ثم يختتم بأحداث كربلاء ويقفل قصيدته بالبيتين الآتيين :

كـريمٌ  يـحامي عـن كـرائمِ iiأحمدٍ      ويـكشفُ عـنهنَّ الـنوائبَ iiوالـغما
ولـكـن أراد الله سـبـي iiنـسـائه      إلى الشام حسرى تسمع السب والشتما

9ـ وقطعة أخرى من عشرة أبيات في الزهراء عليها السلام مطلعها :

لو أن دمعي يطفي نار أشجاني      اذلـت دمعي من قلبي بأجفاني

10ـ وله قصيدة من اثنين وأربعين بيتاً في الموعظة والتذكير بالموت والتحذير من الدهر ثم استعراض ظلامة أهل البيت وختامها في الحسين عليه السلام استهلها بقوله :

سرّح بطرفك أيها iiالإنسان      في الذاهبين كأنهم ما كانوا

وختامها بقوله :

أنـساء آل الله تـسبى iiحسراً      وبنات هند في القصور تصان

11ـ ومن قصيدة له يستنكر بها الظلم العباسي لأهل بيت النبوة عليهم السلام ثم يمضي بها إلى كربلاء وتحتوي القصيدة تسمع وثلاثين بيتاً تفتتح بقوله :

وقد أصابت بنو العباس ما طلبت      واستأصلت كل قاص كان أو دان

وتختتم بقوله :

رؤوسهم رفعت فوق القنا وغدت      جـسومهم  جثماً من فوق iiكثبان

12ـ ومن حماسياته في استنهاض الهاشميين بائية عصماء من أربع وثلاثين بيتاً يقول في مطلعها :

إلـى  مَ التواني يالؤيُّ عن iiالضرب      لـقد سـئمت يـمناك قائمة iiالعضب
أهـاشم هـبّوا إنَّ صـدر iiعـميدكم      لـقد  هشمت منه الظلوع بنو iiحرب
أهـاشم هبوا وانظروا ما جرى iiعلى      نـسائكم  بـالطف من فادح iiالخطب
ضـعي  هاشم ثوب العلى iiوتقمصي      عن العار بين الناس بالستر والحجب
لـقـد نـدبت فـرسانها iiخـفراتكم      وقـد بحت الأصوات من شدة iiالندب

إلى أن يصل في نهايتها يستنهض الإمام المهدي عجل الله فرجه ويختمها بالبيت الآتي :

ويـطعن  عـينيه وينكت iiثغره      بمجلس أنس حفّ باللهو واللعب

13ـ وفي نهضة الحسين ورثائه قصيدة رائعة من اثنين وثلاثين بيتاً بدؤها :

يـا خـليلي اسعداني iiونوحا      فبطوفان مدمعي صرت نوحا

وختامها :

كلّما  رمت ان أبوح iiبوجدي      خفت من شامت به ان أبوحا

14ـ وكذلك قصيدة في الحسين عليه السلام مطلعها :

كـلّما  رمت ان أبوح iiبوجدي      خـفت من شامت به ان iiأبوحا

والقصيد من اثنين وثلاثين بيتاً آخرها :

لو آمنو بإله العرش ما قتلوا      آل النبي وكلن ربهم iiجحدوا

15ـ وفي رزايا الطف دالية من سبع وثلاثين بيتاً تستهل بقوله :

رمت من عين هاشم بالسواد      ومـن  فـهر سويداء الفؤاد

وتنتهي :

وحـبلاً  قـيدوا فـيه iiعليا      بـه  السجاد أصبح في iiقياد

16ـ وفي الحسين عليه السلام راثية شهيرة تضم اثنين وعشرين بيتاً هي :

عجباً لهذا الدهر كيف يدور      يـعمُّ فـيه العالمين iiسرور

17ـ وفي الحماسة ومخاطبة الهاشميين ورثاء الحسين مقطوعة من خمسة عشر بيتاً :

أهاشم هبي واشحذي البيض والسمرا      لكي  تدركي من آل حرب لك iiالوترا

18ـ وفي بطولة الحسين ورثائه قصيدة من سبع وعشرين بيتاً :

أبدلت ذل الدين عزا      مذ  قل منجده iiوعزّا

19ـ وقطعة في يوم الحسين عليه السلام من خمسة عشر بيتاً :

قد أقامت قواعد الظلم تيم      ويـزيد عـلا عليها iiبناه

20ـ في الطفل الرضيع أربعة عشر بيتاً مطلعها :

لـهفي عليه حاملاً iiطفله      يستسقي ماءاً من عداه له

 

رائعة عصماء من واحد وثلاثين بيتاً على وزن (ان كن عندك عبرة تجريها) القصيدة المشهورة للمرحوم السيد رضا الهندي .

22ـ وقصيدة في أربع وثلاثين بيتاً في تاج رؤوس الهاشميين أبي الفضل العباس قال فيها :

21 إن جئت أرض الطف فأنزل      واعـقر نـياق الصبر يا iiحاديها

مـن هـاشم سـلبت أمـية iiتـاجها      وفـرت بـسيف ظـلالها iiأوداجـها

23ـ وفي مسلم بن عقيل قصيدة معروفة تقع في ثلاثة وأربعين بيتاً :

لــو كـان يـنقع لـلعليل iiغـليل      فـاض  الـفرات بـمدمعي والـنيل

24ـ وقصيدة أخرى في سفير الحسين مسلم بن عقيل أيضاً تتألف من أربع وعشرين بيتاً أولها :

لـمسلمٍ عـينَ الـهدى سـحّي دمـا      ويـا  حـشى الإسـلام شبّي iiضرما

25ـ وفي علي الأكبر قصيدة من اثنين وعشرين بيتاً مطلعها :

يـا  نـيراً فـيه تجلى ظلمة iiالغسق      قد  غاله الخسف حتى انقض من iiأفق

26ـ وقصيدته العامرة في القاسم بن الحسن من أشهر ما يردده الخطباء في هذه الذكرى وهي ثمانية وعشرين بيتاً ، ومطلع القصيدة :

يـا  دوحة المجد من فهر ومن iiمضر      قد جفّ ماء الصبا من غصنك النضر

27ـ وله في حماة الإسلام وأنصار العقيدة بائية عصماء يخص فيها حبيب بن مظاهر الاسدي في دفاعه ومواقفه المشرفة ثم رثائه وهي في سبع وعشرين بيتاً مطلعها :

كـلـما تـعـذلان زدتُ iiنـحيبا      يـا خـليلي إن ذكـرت iiحـبيبا

28ـ قصيدة من اثنين وثلاثين بيتاً في رثاء الإمام موسى بن جعفر عليه السلام ويبدو أنها أطول من ذلك ولكن فقدت بعض أبياتها :

لهف نفسي على ابن جعفر موسى      عـاش  في دهره يقاسي iiالحبوسا

وبعد هذا العرض الإجمالي لاضمامة عابقة بأريج البيت الطاهر ومشاعر ملتاعة لما حل بهم من المحن والخطوب ، ليس بمستكثر على خطيبنا المترجم هذا الأدب الجزل بعد أن عاش بأحضان اسرة ولدت في قلب الأدب والشعر وبيئة تننفس الشعر وتتغذى بالأدب .

فـوليدهم  في المهد يألف شعرهم      فـكأنه والـشعر قـد ولـدا iiمعا

ولا يخفي ن الحلة الفيحاء ـ بلدة المترجم ـ كانت معقل الحضارة العراقية ثم أصبحت مركز الدراسات الدينية ، ومنطلق الحركة الثقافية ، ومحور النشاطات العلمية والأدبية عندما استوطنتها حوزة العلم والدين لثلاثة قرون ، وخرجت فطاحل العلماء وأساطين الأدب العربي أمثال ابن ادريس وابن نما والمحقق الحلي والعلامة الحلي ، وغيرهم من جهابذة العلم ، وأمثال شعراء الحلة كالسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي ، والسيد عبد المطلب الحلي ، والشيخ صالح التميمي والشيخ صالح الكواز . والنحويين الشيخ أحمد وواده الشيخ محمد رضا وغير هؤلاء من عمالقة الأدباء وفرسان الشعراء .

فلا غرو ان كان سيدنا الحلي علماً من أعلام الأدب ، وعمداً من أعمدة الشعر وقطباً من أقطاب المنبر والخطابة ، وركناً من أركان العلم والفضيلة .

تاريخه السياسي :

لو تصفحنا القاموس السياسي للعراق عبر الأدوار التاريخية المختلفة ، منذ أن استوطنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في الصدر الإسلامي الأول ، واتخذ الكوفة عاصمة للدولة الإسلامية ومركزاً للاشعاع الديني ، ونقل أجهزة الادارة والحكم وأنشطة الخلافة الإسلامية إلى هذا البلد ، لوجدنا كيف عصفت به الأعاصير الهوجاء والتقلبات السياسية ، وكيف أن هذا البلد عاش حالة من الغليان والصراع العنيف دينياً وسياسياً .

ولا شك أن الكوفة ـ عاصمة الدولة الإسلامية في حكم الإمام علي عليه السلام ـ والتي مصرت مبدئياً كمنطقة عسكرية هي مهد الولاء والتشيع لأهل بيت النبوة ، ومنها انطلقت الحركات الثورية والتحررية التي زلزلت العروش ونكّست التيجان وكانت ساحاتها وأراضيها مسرحاً للكثير من الثورات المسلحة والمعارك الدامية كثورة الحسين عليه السلام وثورة التوابين وثورة المختار وثورة زيد بن علي وسلسلة الثورات الأخرى .

وللكوفة ينتمي الطراز المتميز من رجال العقيدة وصناع الحضارة الذين رفعوا لواء القرآن بيد من حديد ، وجعلوا راية الإسلام خفاقة بجهادهم وتضحياتهم ، وطرزوا تاريخهم المشرق بالدم والفداء والعز والإباء كالطلائع الثورية التي التفت حول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام أمثال مالك الأشتر وحجر بن عدي الكندي وعمر بن الحمق الخزاعي وهاشم المرقال والكتلة المجاهدة التي نصرت الحسين حتى آخر قطرة من دمائها كحبيب بن مظاهر الأسدي وأخيه علي بن مظاهر الأسدي ، وزهير بن القين البجلي ، ونافع بن هلال الجملي ، وبرير بن خضير الهمداني ، وعابس بن شبيب الشاكري ، وغير هؤلاء من قوافل المجاهدين ورواد العدالة والتحرير ، تلمس أن الانتماء الجغرافي والهوية الوطنية لهؤلاء الأبطال في الكوفة .

وقد تظاهرت مجموعة من العوامل الاستراتيجية لبث هذا الوعي الثوري ، وبعث الروح الجهادية الواعية عند هذا المجتمع .

ولعل من أهم تلك العوامل المناخ المفتوح والتربية الحرة التي غرسها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في نفوسهم وضمائرهم ، وان قاسى الأمرين وكابد المعاناة من تلقاء رسم معالم الحرية المطلقة ، نظراً لوجود بعض العناصر المشبوهة التي أساءت استغلال أجواء الحرية وإبداء الرأي والمشاركة في القرار ، فراحت تثير المشاكل والشغب والفتن والاضطرابات الداخلية مما اربكت المسيرة المظفرة بوضع العقبات والعراقيل في طريق الخطط الإصلاحية والمناهج التربوية التي تبناها الإمام عليه السلام لنشئة الأجيال المستقيمة وبناء الشخصيات العقائدية وتأسيس المجتمع المتماسك .

ومنذ ذلك التاريخ والافذاذ من رجالنا ، والعمالقة من شخصياتنا يسجلون المواقف المشرفة موقفاً تلو الآخر بيد الصلابة والإخلاص .

ولو تخطينا مراحل التاريخ وتوقفنا عند تاريخنا السياسي المعاصر ، لوجدنا مقارعة المستعمر ومكافحة الطغيان بكل صنوفه وأشكاله من المهام الشاقة التي اضطلع بها امجادنا ووقف لها رجالنا في الصفوف الأمامية والخطوط المتقدمة .

ولعل من أوليات التاريخ السياسي لحياة سيدنا المترجم عندما انقدحت الشرارة الأولى للحرب العالمية ، وخاضت الدولة العثمانية غمارها إلى جانب حليفتها ألمانيا ، وأحتل الانكليز ثغر البصرة عام 1333 هـ ، وهب علماء الدين وزعماء المسلمين للذب عن بلد الرافدين والدفاع عن كرامة الشعب العراقي ومقارعة العدو المعتدي المحتل ، وقد تقدم الزعيم الديني السيد محمد سعيد الحبوبي راحفاً بقبائل الفرات الأوسط ، والعشائر الجنوبية نحو البصرة ، ورابطوا في ساحات الوغى وميادين التصدي والتحرير .

وفي هذه الظروف السياسية الحامية كان سيدنا المترجم خطيباً في مجالس البصرة لإحياء الموسم السنوي لذكرى عاشوراء ولا يخفى تأزم الأمور وتوتر الأحداث لاسيما والبصرة مسرح الاحتلال ، فانبرى السيد الحلي كالأسد الهصور والليث الغاضب بخطبه الحماسية في تعبئة المقاتلين وتحريض الجماهير على الالتحاق بجبهات القتال وميادين الشرف وتقرير المصير ، داعياً إلى النفير العام والزحف المقدس ، باعثاً روح الحماس والاستبسال يشحذ الهم ، ويوقظ المشاعر بما أوتي من قوة جنان ورباطة جأش ، ومنطق بليغ ، وبقي الخصم المناوئ العنيد والعدو المجالد اللدود للاستعمار طيلة حياته .

ولما انفجر بركان الغضب العراقي واندلعت ثورة العشرين ضد الاحتلال الإنكليزي الغاشم عام 1920م طفق السيد السند يخوض غمارها مجلجلا هادراً ببيانه ، ثابتاً كالطود الأشم في محاربة المحتل المعتدي وأذنابه ، يقول السرانولد ويلسن في كتابه الثورة العراقية : وكان من العاملين على إضرام الثورة في جهات ديالى السيد صالح الحلي والسيد محمد الصدر .

فكان يصول ويجول ويخطب ويحرض في بغداد وضواحيها حتى وصل إلى مدينة بعقوبة وتوغل في أريافها وقراها لمواصلة جهاده المقدس ، ترصدت له عناصر الشر وألقت القبض عليه ، وانشبت مخالبها فيه ، وأصبح في قبضة حكومة الاحتلال فحكمت بنفيه وابعاده إلى الهند عن طريق البصرة والمحمرة ، وجيء به مخفوراً حتى مر على قصر الشيخ خزعل خان بالفيلية فرفع صوته واخزعلاه ولاخزعل لي اليوم ، فأغاثه وآواه وانقذه من مخالب السلطة البريطانية .

ثم اكرم وفادته وأصبح نديمه الخاص مقيماً في بيته زهاء الثمانية شهور ، حتى خمدت الثورة العراقية ، أطلق سراحه وعاد إلى العراق مظفراً سالماً ، واتخذ الكوفة موطناً ومسكناً وحظ رحله فيها .

وفي عام 1342 هـ انبرى يهاجم المدارس الحديثة ويعرض بأعضائها على المنابر ويعلن أن مناهج التعليم استعمارية مخالفة لقواعد الدين الحنيف ، فألقت السلطة المذكورة القبض عليه في كربلاء أبعدته إلى البصرة والسيبة والفاو أكثر من خمسة أشهر ثم أعيد إلى الكوفة .

وفي عام 1352 نفته الحكومة العراقية إلى البصرة على أثر مشكلة الانتخابات البرلمانية لأول مجلس نيابي تأسيسي للعراق الذي تريث العلماء في تأييده ، وانبرى الخطيب الحلي يهتف بمقاطعته فأبعدوه أيضاً إلى البصرة ستة أشهر ثم عاد إلى النجف الأشرف .

وفي أحداث الفتاوى المتعلقة بالدساتير البرلمانية الشهيرة التي عرفت بحركة المشروطة والمستبدة في إيران انقسم العلماء إلى فريقين مؤيد ومعارض ، وكان الفقيه الكبير السيد كاظم اليزدي صاحب العروة الوثقى يؤيد المستبدين خلافاً لزعيم الأحرار العالم الأصولي المولى محمد كاظم الخراساني المعروف بالآخوند صاحب الكفاية ، فقد كان يؤيد دعاة الدستور ويناهض المستبدين ، وحصل من جراء ذلك صراع عنيف ، وتوسعت دائرة التناحر والخلاف ، وكان السيد الحلي من مناصري الآخوند الخراساني ، فراح يشن حملات الطعن ، وغارات النقد والتنديد ، وجابه حتى شخصية الإمام اليزدي بأقسى المجابهات ، وراح يتحداه وينال منه في شعره وكناياته وأقواله ومن ذلك :

فـوالله ما أدري غداً في iiجهنمٍ      أيزديها أشقى الورى أم يزيدها

وقوله معرّضاً :

وفـتاة  تقول وهي تصبُ iiال      مـاء  قلدت كاظماً قلت iiصبي

ويقصدها بالصبي هنا الصابئي باللهجة الدارجة وهناك تورية أخرى غير صب الماء والصابئي ، وهي أن كاظم صبي من رجال السلاح المعروفين في النجف بالمشاهدة أو الشقاوات أو القبضايات على حد التعبير المنطقة الشامية ، وليس لهذا الرجل أي شأن أو علاقة بالعلم والدين لا من قريب ولا بعيد .

وبناء على هذه المواقف المتصلبة ، والتعابير الاستفزازية الجريئة ، وبناء على صراعه المستمر مع اللادينيين المتسترين بأقنعة وعناوين مختلفة ، تظافرت جهود متعددة بعضها مشبوه ومريب يجمعها قاسم مشترك موحد هو بغض السيد صالح وعداؤه فنسجت مؤامرة ماكرة ووضعت الدسائس المحبوكة وقد كتب لها النجاح بعض الوقت وروجوا اشاعة خبيثة مضمونها أن السيد صالح يسب العلماء ، وليس القصد من وراء ذلك العلماء وإنما تخطيم شخصيته السيد صالح الخصم العنيد والمناوئ الشديد ، وانطلى الأمر على الكثير م السذج والمغفلين وإلى يومنا هذا وتمكن التآمر الآثم أن يثير البلبلة بين صفوف العلماء فينقسمون إلى مناصر ومحارب (وتنتعش تلك الطغمة التي لا يطيب لها العيش إلا في الأوحال والقيل والقال)(7)، وحتى الفتوى التي أصدرها الإمام السيد أبو الحسن الأصفهاني بتفسيقه وتحريم الاستماع إلى قرائته والتي أرخها الشيخ علي البازي بقوله :

أبو حسنٍ افتى بتفسيق iiصالح      قراءته أرختها (غير صالحة)

أجل حتى هذه الفتوى لا تخلو من تأمل ، ولا يعلم من كان وراءها ومن الذي استصدرها من الإمام الأصفهاني ، ولا أتصور أنها خاضعة لضوابط دقيقة ، ومقاييس شرعية لم يخالطها الارتياب من الوسائط التي صورت للإمام المفتي انتهاك السيد صالح للمقدسات والمساس بكرامة علماء الدين .

يقول المرجاني في الطبعة الأولى من كتاب خطباء المنبر الحسيني المطبوع قبل نصف قرن تقريباً ما نصه :

وفي سنة 1344 هـ نسبوا إليه من طعنه على علماء الدين حتى حرم آية الله المغفور له السيد أبو الحسن الأصفهاني استماع قرائته وذلك في الثالث عشر من جمادى الأولى من تلك السنة حيث شهد عنده اعداء المترجم وهجره الروحانيون ، وكانت التهم التي وجهت إليه كاذبة يذيعها عليه أعداء المهنة الذين سدّت عليهم شهرته الطائرة طرق المعيشة ـ كما يزعمون ـ وأخيراً إذ تبينت برائته منها مال إليه السيد وعلماء الدين(8).

ويتبلور للباحث من خلال استقراء الأحداث أن السيد المترجم كان شديد التمسك برأيه ، كثير الاعتداد بنفسه ، قوي الشكيمة متصلب الموقف شديد اللهجة ، قوي الحجة ، واثق الشخصية ، دائم التحدي والاستفزاز بحق وبغير حق ، ولا نغفل الإشارة إلى أنه زميل السيد أبي الحسن في التلمذة والدراسة عند الشيخ الآخوند الخراساني . غير أن هذا اتجه للمرجعية وذاك اتجه للخطابة .

وربما ناوئته فئات وشخصيات ذات نفوذ وصلاحيات في كيان المرجعية الدينية نفسها ، يساندها الطابور الخامس ويحرضها بعض المشبوهين والمغرضين ، وتلتف حولها الأمعات والنفعيين ، والمرتزقة ، والفاشلين ، وأرباب المصالح ، وباعة الضمائر ، وقليلي الورع ، والسذج ، والهمج الرعاع الذين لا يخلو منهم أي عصر ودور ، فافتعلوا هذه الضجة وأشعلوا هذه الفتنة ، وربما طوقوا أعناقهم بظلامة ساهم الجميع فيها بقصد أو بدون قصد ، واشتركوا فيها بحسن نية أو بسوءها .

ومثلي من لا يتجرأ على مقام المرجعية المقدس ، أو التشكيك في نزاهتها وورعها بالذات ، بل ولا حتى الأبرار والأتقياء من الشخصيات الهامة الفاعلة في كيان المرجعية والعياذ بالله ، وإنما نعني تلك العناصر التي تقحم أنفسها الرخيصة بمكر ودهاء فتختلق أجواء التوتر والمواجهة الساخنة .

ولعل من أطرف ما ورد في سيرة السيد الحلي بهذا الصدد حول توبته المزعومة وقد ورد فيها ثلاث روايات :

الأولى : يجب أن يرقى الأعواد في الصحن الشريف ويعلن ندمه وتوبته على رؤوس الاشهاد ليسحب السيد أبو الحسن فتواه في تحريم قرائته ، فلما ارتقى المنبر ورأى الحشود المكتظة تحت منبره والمتلهفة لما يقول أخذه الأعواد بالنفس فلم يطرح ما كان مقرراً !.

الثانية : انعقاد المجلس العام للتوبة في الجامع الهندي وعندما ارتقى المنبر أمام الجمهور الغفير تحدث عن مسألة فقهية تتعلق بطهارة الكر وأسهب فيها وعلق عليها ان الكر يبقى على الطهارة غير أن الحواشي تبقى نجسه !!. معّرضاً لحاشية السيد أبي الحسن .

الثالثة : إن مجلس التوبة عقد في بيت السيد أبي الحسن نفسه وهذا ما حدثني به الدكتور السيد مصطفى جمال الدين وقال لقد كنت من الشاهدين في هذا المجلس ولازلت أتذكر انه عقد على سطح دار السيد أبي الحسن لأن الوقت كان في فصل الصيف وأعلن السيد صالح توبته وقبلها السيد أبو الحسن ورضي عنه .

ومما لا شك فيه أن شخصية المرجع الديني أو المصلح الاجتماعي أعلى وأرفع وأجل من الظلم والتعدي والمهاترات والتوتر الباطل ، ولكن لا يسعنا التهرب ولابد من الاعتراف بوجود بعض العناصر المحيطة بتلك الشخصيات من ذوي الأفق الضيق ، والإيمان المحدود والتصورات الرخيصة هي التي تؤجج الفتن ، وتشعل الخصومات ، وتطور النزاع ، وقلما تحصل جلسات للمكاشفة ، والحوار الهادئ والتفاهم الودي ، والحلول السليمة ، فكل يتمسك برأيه ، ويتشنج لموقفه ، ويتعصب على خصمه ، ويثأر لكرامته ، حتى يتفجر الموقف ، وتتأزم الأمور ، وتتعقد المشاكل ، وتستعصي على الحلول ، وإذا ما بحثت عن جذور المشكلة ، لوجدت يداً خبيثة تتصيد بالماء العكر ، وأصابع مشبوهة تحترق الصف الموحد ، وتزرع روح التباغص ، وتؤجج الأحقاد في القلوب ، فتستخدم الشخصية النافذة ثقلها الاجتماعي ونفوذها وصلاحياتها لتحطيم الخصم وتدميره واجتياحه بما أوتيت من قوة وبمختلف الوسائل المتاحة وغير المتاحة وبشتى الأساليب الممكنة والمستحيلة ، وتسخير العناوين الشرعية والدعائية بمناسبة وبغير مناسبة ضدها ، تشفياً ونكاية ، وانتقاماً وزراية .

هذا إذا كان الخصم بحجم السيد صالح الحلي وبضخامة شخصيته فما بالك إذا كان من سائر الناس ، فسوف تدوسه الأقدام وتسحقه الأرجل ، وتلوكه الألسن ، وتتحداه السماسرة ، وتضفي على مواقفها أنواع الأقنعة والعناوين الشرعية والمقاييس الدينية دون أن يشعر بظلامته أحد ، ويبقى نازف الجرح مهدور الكرامة بلا حسيب ولا رقيب ولا سائل ولا مسؤول .

وهذا من أخطر الأمراض الفتاكة في أوساطنا الدينية ، ومجتمعاتنا المعودة .

وفاته ومدفنه :

بعد رحلة العمر التي استغرقت سبعين عاماً ، أسس فيها السيد الصالح مجداً شامخاً ، وشيد تاريخاً باذخاً ، وسجل صفحه في سجل الخلود ، ثم رحل إلى رضوان الله ورقد في روضة خالدة ، بعد صراع مع المرض ألزمه الفراش عشرة شهور في داره بجسر الكوفة ، فتحمل جثمانه على الرؤوس إجلالاً وتعظيماً في آخر شهر شوال من عام 1359 هـ إلى مثواه الأخير في مقام المهدي بوادي السلام في النجف الأشرف تنفيذاً لوصيته .

وانطوت بموته صفحة من صفحات العلم والفصاحة والجهاد ، وسكت لسانه الهادر وتوقف جنانه النابض ، وبقي منبره خالياً ، ومكانه موحشاً .

وقام العلامة الكبير الشيخ عبد المهدي مطر ينعاه بأسف وحرقةٍ في مجلس تأبينه :

نـعتك الـخطابة iiوالـمنبر      ونـاح لك الطرس iiوالمزبر
وهـزّنعيّك قـلب iiالـحطيم      فـأعولك الـركن iiوالمشعر
وفيك  انطوت صفحة iiللبيان      بـغـير لـسانك لا iiتـنشر
ومـات  بـموتك جمٌ iiغفير      وفـيك  انـطوى عالم أكبر
فما روضة الفضل في زهوة      ومـنها ذوى غصنها iiالمثمر
ولا غـابة الأسـد في نجوة      وفـيها تـرى ليثها iiالقسور
فـكنت كمدرسة في iiالوجود      تـغذي  الـنفوس بما iiيبهرُ

إلى أن يقول :

ويـوم اسـتساغ هبات iiالعراق      وسـاومـها  الـذلَّ iiمـستعمر
فـهد الـمشاعر مـنك iiالأبـاء      وتـيـه الـعـروبة والـمفخر
فـرحت تـكشف مـا iiخـبأوا      مـن الـغدر سيفاً وما iiأضمروا
وكـنت عـلى رغـمهم iiثـابتاً      وإن أبـعـدوك وإن iiسـفـروا
قـعدت  ولم تخش مكر iiالزمان      عـليك  ومـا قـدر مـا iiيمكر
تـذب عـن الـوطن iiالمستظام      كـما ذبَّ عـن غـابة قـسور
وقلتَ اخسئوا إن تهيجوا العراق      يـهيجُ  بـكم يـومه iiالأحـمرُ

ثم يقول :

وأم الـكـبائر مــا iiلـفقوا      عـليك افـتراءً وما iiصوروا
وأنـت  نـزيه نقي iiالضمير      كـماء الـسحابة إن iiيـمطر
وقـاستك فـي مـثلها iiأعين      لـديها  استوى الفحم الجوهر
 

ثم تسابق الخطباء والشعراء إلى المنصة في محافل تأبينه ومجالس فاتحته ، وخصوصاً في المأتم الهيب الذي عقدته جمعية الخطباء وفاءاً وعرفاناً لفقد عميدها ورحيل سيدها فأبنه الخطيب الكبير الشيخ جواد قسام بقصيدة عامرة قال في مطلعها :

بـاتت لـفقدك تندب iiالأعواد      وأصيب فيك الوعظ والإرشاد
قد كنت نوراً للشريعة iiساطعاً      كيف اعتراه من الردى iiإخماد
أوقفت نفسك للصلاح iiمجاهداً      وكـذا  حياة المصلحين iiجهاد

ثم ارتجل أبو الشهداء العلامة الخطيب السيد حسن القبانجي كلمة مفعمة باللوعة والأسف ، أعقبه الخطيب المرحوم الشيخ مسلم الجابري بكلمة قيمة نشرتها مجلة الغري ، وقام من بعده الخطيب الجريء المرحوم السيد حسن الشخص يؤبن أستاذه بكلمة هادرة تفيض دمعاً وحزناً .

فإلى جنة الفردوس ، وفي ذمة الخلود ، ومع الحسين ورفاق الحسين وحسن أولئك رفيقاً .

 
(1) ـ هكذا عرفتهم 1 / 108 .
(2) ـ خطباء المنبر الحسيني الطبعة القديمة 1 / 67 .
(3) ـ أدب الطف 9 / 205 .
(4) ـ هكذا عرفتهم 1 / 108 .
(5) ـ سورة ق / 30 .
(6) ـ النساء / 47 .
(7) ـ أدب الطف 9 / 206 .
(8) ـ خطباء المنبر 1 / 78 .