الشيخ عبد الزهراء الكعبي
من أساليب التكريم التي سلكها أئمة أهل البيت عليهم السلام لتخليد أصحابهم
ورفاقهم ربط أسمائهم بعمل من الأعمال الخالدة التي تمارس بمرور الليالي
والأيام أبد الدهر ، كما خلد كميل بن زياد النخعي بدعاء أمير المؤمنين عليه
السلام الذي يقرأ في كل ليلة جمعة فلا يقال عنه دعاء أمير المؤمنين وانما
دعاء كميل .
وخلد أبو حمزة الثمالي بدعاء الإمام زين العابدين عليه السلام في أسحار شهر
رمضان الشهير بدعاء أبي حمزة ، وهكذا نرى اقتران هذه الأسماء اللامعة
لطلائع الجهاد والعقيدة بهذه الأعمال الجليلة الخالدة .
أما شيخ القراء الخطيب الراحل المغفور له الشيخ عبد الزهراء الكعبي فقد
خلده الحسين بقراءة المقتل الذي يعتبر من أهم الوثائق التاريخية لملحمة
كربلاء الدامية ، والتي تصور كيف رسم الحسين معالم الحرية والكرامة بدمه
الزكي ، وكيف أرسى قواعد العقيدة ، واختط دروب النضال من أجل حماية مبادئ
القرآن بإباء وشرف ، ثم تصور تلك الوثيقة الأعمال الوحشية والممارسات
البربرية التي ارتكبتها السلطة الأموية الغاشمة بحق أهل بيت النبوة والتي
تدلل على عقليتها الجاهلية وخستها ولؤمها عندما ارتكبت أبشع جريمة عرفها
التاريخ بذبح أبناء رسول الله وسبي نساءهم وذراريهم ، وقراءة المقتل هي
القصة الكاملة لتلك المأساة الرهيبة والحدث التاريخي المرعب .
وقد تفرد الكعبي في عرض قصة المقتل بطريقته الثاكلة وأسلوبه الحزين ، حتى
أصبح المقتل ركناً من أركان الشعائر الحسينية ، وقطباً من أقطاب أعمال
عاشوراء وفعالية هامة من فعاليات المنبر الحسيني .
وقد حاولت كوكبة من خطبائنا اللامعين تقليد الكعبي في قراءة المقتل وقد وفق
بعضهم إلى حد ما ، ولكن تبقى إمارة المنبر الحسيني في قراءة المقتل للمرحوم
الكعبي دون منازع .
وكان لا يزال يبث القسم الأول منه يوم العاشر من المحرم من العديد من
إذاعات العالم الإسلامي ، ويبث القسم الثاني منه بذكرى الأربعين لمقتل سيد
الشهداء عليه السلام .
تأريخ قراءة المقتل:
وإذا أردنا أن نؤرخ للسنة الأولى التي عرض فيها المرحوم الكعبي قصة المقتل
فلابد من الرجوع إلى ست وثلاثين عاماً من الزمن ، لنلتقي بأول مجلس جماهيري
حاسد عقد يوم العاشر من المحرم من سنة 1379 هـ بجوار حرم الحسين عليه
السلام بكربلاء .
وهو الذي يذاع من إذاعة بغداد صبيحة يوم عاشوراء كل عام منذ عام 1379 هـ ،
وقد أذيع في نفس العالم مرتين صباحاً ومساءً لأن أربعة عشر ألف طلب برقي
وهاتفي انهالت على وزير الثقافة والإرشاد ودار الإذاعة طالبة تكرار إذاعته(1).
ثم بادرت الإذاعة العربية في الأهواز لإذاعة التسجيل الكامل للمقتل في يوم
عاشوراء من كل عام . كما أذيعت مقتطفات منه من إذاعة الكويت في نفس
المناسبة المذكورة مشاركة ومواساة منها لرسول الله بمصاب ولده الحسين ، ثم
مراعاة لعواطف الجماهير المؤمنة في الكويت ، ذلك البلد الحسيني الذي يتحول
إلى كتلة من المأساة يوم عاشوراء حيث يلفه الحزن وتخيم عليه أجواء الكآبة
والغضب لما حل بسيد شباب أهل الجنة عليه السلام ، فترى الكويت تموج بشيبها
وشابها ونساءها وأطفالها ، تذرف الدموع الساخنة ، وترتدي جلباب الحزن ،
وترى المجالس والمآتم والمواكب والاطعام وتسمع أصوات المسجلات الناعية في
البيوت والحسينيات والشوارع والسيارات ومن أبرز تلك الفعاليات هي أشرطة
المقتل الحسيني بصوت فقيد المنبر الشيخ الكعبي رضوان الله عليه .
ومما يلوح في ذاكرتي منذ أيام الصبا عندما منعت حكومة البعث في أيام عبد
السلام عارف قراءة المقتل وتحدث بذلك عواطف الشعب تجاه عقيدته ورجالها
المضحين من أجلها والمنحورين في سبيلها ، انتفضت تلك الجماهير الغاضبة
للتحدى هي الأخرى قرار المنع وخرجت مواكبها الحسينية ومسيراتها المليونية
في كربلاء بمناسبة الأربعين وهي تندد وتستنكر ذلك القرار الجائر , وأتذكر
فيما كان يقوله أحد تلك المواكب وهو موكب بلدة الخضر في أهازيجه الشعبية
باللهجة المحلية يخاطبون رأس النظام يومذاك عبد السلام عارف بقولهم :
ومن الجدير بالذكر أن من المؤسف حقاً أن تهدر ثروة أدبية وعقائدية كبرى
وتضيع في خضم الأحداث وغمار النسيان ولم يلتفت أحد لتدوينها وتسجيلها ، حيث
كانت تردد تلك المواكب روائع الأشعار ، وفرائد الأدب الحسيني ، وأعظم
الأهازيج ، وتتفنن في أطوارها وتلاحينها بالفصيح والدارج وتعتبر تلك
الأناشيد الحماسية والمستهلات الحسينية سجلاً شعبياً حافلاً ، وأرشيفاً
زاخراً بمختلف القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية جدير بأن يوضع
للدراسة والتحليل واستخلاص العظات والعبر .
ومما تسعفني به الذاكرة في هذا الصدد نماذج من تلك الهتافات وصور ولقطات
مما تصدح به الحناجر الحسينية في ذكرى الأربعين بكربلاء المقدسة ان لم يكن
في ذلك تأثير على منهجية الكتاب .
ومن تلك النماذج ما ردده موكب الناصرية صرخة حسينية من نظم العلامة
الشيخ محمد حيدر دام تأييده كان يصدح بها ذلك الموكب في شوارع كربلاء .
يا أرض الطف مع التاريخ علاك فـــلـــك iiيـــــدور
وضـحايا نهضتنا الكبرى iiبثراك تـــشـــع iiبـــنــور
يــا فـخر الإسـلام iiالـدامي بـجـراح رســول iiوامــام
ومما كان يردده موكب السماوة المتميز بحماسة وضخامته ودقة تنظيمه وانارته
المتنقلة وخدماته الواسعة وان الناس تتطلع لخروج هذا الموكب بلهفة ليستمعوا
ما عنده من طرح جديد وفن متميز في التلحين والمضمون فأطل عليهم ذلك الموكب
المهيب رافعاً صوته :
من السماوة أتى جمهورها إلى بطاح كربلاء iiيزورها
إلـى ابـن خـير iiهادي مــفـجـر iiالـجـهـاد
ومن أتى الشريعة يجيرها ومن بظلة احتمى مصيرها
ثم يأتي موكب آخر برايته الخفاقة فيهتف :
راية وحده وغاية وحدة وهدف واحد لـلأجيال الـقادمة الـتاريخ iiشاهد
احــنـه كـلـنـا iiمـسـلـمين أمــة وحــدة وفــرد iiديــن
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
أجـعل الـتوحيد عـنوانك iiيشعبي يـصطفي بحب الوطن كلبك iiوكلبي
بـالـعـمل نــرفـع iiشـعـار بـالـعـجل نـغـسـل iiالـعـار
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
بـتفرقتنه استطعمت بينه iiالأعادي عرضه أصبح للخطر ديني iiوبلادي
مـــا يـريـد إلـهـا iiشـهـود هـــدف صــرنـه iiلـلـيهود
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
يـا رجـالات العرب وين iiالشهامة يـا وسـافة نسحكت اليوم iiالكرامة
مـــن نـفـسـنا مـسـتـحين بــعـد نـسـكـة iiفـلـسـطين
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
إلـنه أخـوة وبـأرضها iiذبـحوها هـتكوا الأعـراض منها iiودنسوها
يـــا نـوامـيـس iiالـنـسـاء يــــا دمـــاء iiالأبــريـاء
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
يـا شـفيع الأمـة أقـبل iiهالزيارة أنـصر الإسـلام ونـريد iiالبشارة
ســالـم يــعـود iiالـزعـيـم قــائـد الأمـــة iiالـحـكـيم
مـن السماوة جيت أجدد هذا iiعهدي هــــــذا iiعـــهـــدي
وهكذا كان أغلب تلك المواكب ـ كما ستلاحظ ـ تهتف بحياة المرجع الراحل
الإمام الحكيم طاب ثراه ، ونتمنى له الصحة والشفاء والعودة من رحلة
الاستشفاء والاحتجاج سالماً مظفراً ، متضامنة معه على أثر تلفيق ذلك
الاتهام المفضوح لنجله الثائر الحجة المجاهد الشهيد السيد مهدي الحكيم في
أيام الطاغية أحمد حسن البكر .
ثم صدح الموكب المذكور بأهازيج أخرى مخاطباً الحسين عليه السلام :
يـا شـهيداً قبّل السيف كأن السيف iiخلاّ وصـريعاً فوق رمضا كربلا أفديك iiأهلا
قـــد أتـيـناك لـتـجديد iiالــولا حـافـظين الـعـهد يـا خـير iiالـملا
يـا شـهيداً قبّل السيف كأن السيف iiخلاّ
يـاأبا الأحـرار ذكراك على مر iiالعهود سوف تبقى ما بقي التاريخ عنوان الخلود
يـهـتدي الأحــرار مــن أقـباسه ويـضـيء الــدرب مـن iiنـبراسه
يـا شـهيداً قبّل السيف كأن السيف iiخلاّ
يـا فـدائياً أبـي الـضيم ولم يعط يديه لا يـبالي أبـداً إن وقـع الـموتُ عليه
طـبـق الأجــواء مــن iiأهـدافـه يـشـبه الـمـاضيين مــن iiأسـلافه
يـا شـهيداً قبّل السيف كأن السيف iiخلاّ
أربعون اليوم مرت مذ غدت فيها iiالدماء سـائلاتٍ مـن بـدورٍ غـيبتها iiكربلاء
يـلـعب الـسـيف عـلـى هـاماتها وغــدوا صـرعـى عـلى سـاحاتها
يـا شـهيداً قبّل السيف كأن السيف iiخلاّ
|
ثم جاء موكب الرميثة المجاهدة يهدر بأهازيجه التي هزّت كربلاء والتي اعتقل
على أثرها زعماء الموكب كالسيد صالح السيد محمد ، والشيخ ياسين الرميثي
الشهير بالقصيدة العقائدية (يحسين بضمايرنا) وغيرهما من وجهاء الرميثة
الباسلة أيام تصاعد الضغوط واشتداد المحاربة الوقحة السافرة للشعائر
الحسينية من قبل السلطة الغاشمة فخرج ذلك الموكب ليضع النقاط على الحروف
بكل جرأة وتحدي :
صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة هـاي أنـصارك اجـتك iiزائرة
هـــاي الـرمـيثة iiبـحـماك لــو عـدهـا تـقصير iiويـاك
مـنك تـطلب يا سيدي iiالمغدرة صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
هذي الشكوى وهذي صحيفة هظم شفرة وطاحت بينه واجت عالعظم
يـــا دكــتـور iiيـداويـنه ومــن عـدنه الـشفرة iiوبـينه
والـيجبرنه هـوّه عظمنه iiاكسره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
هـذا الـمحسن هذا زعيم iiالشرع لابـد وجـهه بـنور علينه iiيشع
لــمـن الـبـاري iiيـشـافيه وبـرحـمـته يـمـن iiعـلـيه
وبضي وجهه الدنيا تظل iiمزهرة صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
كـل ثورة اللي بيها يكوم iiالشعب احنه الأول بيها نراوي العجب(2)
أهــل الـظـلم خـل iiتـحذر عـالـشـعـب لا iiتــتـآمـر
سـنة الـعشرين أحنه أهلها iiتره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
خـل نـنشدكم بالله رجال iiالعرب كـالوا أحنه وإحنه أهالي iiالرتب
جـا ويـن أقـطاب iiالـجلسات شــو مــا كـاموا iiلـلثارات
وأحـنه عرفنه القصة تره iiمدبره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
يـنطوي بـليل إلنه كلام iiووعد لـجل الـثورة واحنه نصدك iiبعد
لـمـن يـصـير iiالـمـصباح لــن الـحجي بـس iiاصـياح
كـلمن أخـذ حـصته ورد ليوره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
شـوف الدنيا شبيها بلأوي iiوفتن يـاهو تلزمه تشوفه يجر iiبالوطن
بـعـد الـوطـن كـلي iiشـلون يـتـخلص مــن الـصـهيون
مـحد يـعرف ياهو إله iiالسيطرة صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
شوف عدانه شعدها غرور وبطر ما تدري شجم طاغي كبلها iiانكسر
طــاحـت أول iiبـالـبـاشات بـاجـر تـوكـع iiبـالـشاهات
عـكبه تـعاين هيّه يجيبها iiالسره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
عـالأعصاب أكضينه حياة iiالعمر كـلمن لـجل الغاية يجرنه iiبكتر
وأحـنه عـلى الـعيشة iiنـطارد لا صـــــــادر ولا iiوارد
لا بـيع أصـبح عدنه ولا مشتره صـوت الحق ينادي يبن iiحيدرة
ثم نزل موكب مدينة الخضر إلى شوارع وساحات كربلاء المقدسة مواصلاً مسيره
باتجاه مرقد سيد الشهداء عليه السلام موجهاً صرخته الثائرة إلى الحسين :
نـــصــرخ يـحـسـيـن لـــيــك iiأعـتـنـيـنـه
الله iiالله بـــلـــوه أبـتـلـيـنـه
ومـن الـخضر الشرقي iiينادي ليك أعتنينه يخبرك يروح الهادي
عـن الـظلام جـارت iiعـلنه الله الله بــلــوه iiابـتـلـينه
تـريـد الـظلام تـحكم iiبـلدنه ويـردونه نعيف عزنه iiومجدنه
يـا ناس هاي الدين ما iiيرضاها كـافر ويـحكم بـاسم دولة طه
هـذا الـلي صار كله من iiأدينه الله الله بــلــوه iiابـتـلـينه
ويـن الـشبان ويـن iiالـنشامة نـريـد نـعيد يـوم iiالـكرامة
يعزم أبو اليمه انشاء الله iiوهمته لازم تـرفرف عـالقدس iiرايتنه
وكــل الـثوار تـفتخر iiبـينه الله الله بــلــوه iiابـتـلـينه
هـاي الأنـصار هاي iiالمواكب بـاسم الإسـلام حـقها iiوتطالب
يـحسين شوف حقوقها iiالشرعية يـحسين تـطلب وحدة إسلامية
ولـيـش الـقـرآن iiأمـعطلينه الله الله بــلــوه iiابـتـلـينه
ثم أطل موكب النجف الأشرف تتقدمه راية كبرى كتب عليها
(يد الله
فوق أيديهم)
وتحفه الهيبة ، وتعلوه قدسية أمير المؤمنين عليه السلام ، ولا تكاد ترى
بداية المسيرة من نهايتها لضخامة الموكب وتدفق الحشود الهائلة المشاركة فيه
، يتقدمهم العلماء وطلبة العلوم الدينية ، ثم تنظم الحلقات الجماهيرية
الكبرى وتهتف بصوت واحد :
يحسين هاي النجف هاي أنصاره يـحسين تـمشي بنهجك وأفكاره
مو مثل أمس جانت الناس iiتغشنه كـولت الـكايل بـاللبن iiفتشنه
وهكذا ترى هذه الأهازيج الطافحة بالوعي والمسؤولية ترددها حناجر الأحرار ،
وتعلو بها أصوات الثاثرين منددة بتعطيل أحكام القرآن ، ومطالبة بحقوق الأمة
المشروعة ، ورافضة لكل شكل من أشكال الظلم والباطل والاغتصاب .
ولو ألقينا نظرة فاحصة ووضعنا دراسة تقويمية هادفة لهذه النماذج وما شاكلها
من الهتافات والأناشيد الحسينية ، لوجدنا الحس المتوثب ، والروح الثورية
واليقضة الجماهيرية التي تستنكر أي لون من ألوان الانحراف والتعدي .
ولذلك كانت الحكومات الظالمة عبر التاريخ تتصدى بوحشية لقمع هذا الحس
الديني والوعي الاجتماعي بمختلف الأساليب وتمارس ضغوطاً رهيبة على إقامة
هذه الشعائر ، وتضع شروطاً مجحفة في السماع لخروج هذه المواكب وممارسة
نشاطها الحسيني ، ومن جملة هذه الشروط أن تعرض القصائد والمستهلات على
دوائر الأمن ، ورجال الشرطة !! حتى يصرح لها أو لا يصرح !!
ومما يقرب من هذا المعنى التعهدات التي تؤخذ على أصحاب الحسينيات والمآتم
في كل عام قبيل محرم ، بأن الخطيب لا يتعرض للقضايا الاجتماعية والسياسية
وو ... الخ ومن الواضح أن ذلك تقييد لحرية الخطيب في توجيه الناس ، ولا
يتفق مع استفلالية الرأي التي تبنتها مدرسة الحسين عبر العصور ، ولا ينسجم
مع إيديولوجية أهل البيت عليهم السلام في المناخ المفتوح ، والحوار الهادف
الذي تدعو إليه عبر قنواتها المختلفة ، ثم هل أن ثورة الحسين على طغيان
يزيد لا علاقة لها بالسياسة ؟!!
إنَّ ثورة الحسين هي روح السياسة ، والسياسة هي قلب المجتمع النابض فكيف
يمكن الخطيب المسؤول ألا يتحدث في صميم مسؤوليته ويمنع من التحدث الواعي عن
القضايا السياسية والاجتماعية ؟!.
وكيف يمكن للمواكب الحسينية أن تمارس دورها الرائد ، وتحقق هدفها المنشود
بتقييد حريتها ، وملاحقة نشاطها وإخضاع برامجها وشعاراتها وأشعارها للرقابة
والتصريح من قبل دوائر الأمن ؟!.
إننا لا ندعو إلى الفوضى والتسيب ولكنا نؤمن بحرية العقيدة المكفولة في
المنطق الإنساني ، وكما أن غيرنا يماس عقيدته وطقوسه وشعائره بكامل حريته ،
فلنا الحق أيضاً بممارسة شعائرنا ومعتقداتنا دون تدخل أو وصاية من أي أحد
علينا مهما كان عنوانه أو صفته التي يتعامل على أساسها .
ومن هنا نحن نعنى حتى لى بعض خطبائنا ورجالاتنا المتصدين للأمور الدينية
خطل الرأي وسذاجة التفكير وعدم التعامل بعمق ووعي فيما يتعلق بنظرتهم
السطحية واستخفافهم ومحاربتهم لبض الممارسات والشعائر الحسينية وإرتكابهم
بذلك أفدح الأخطاء ، بحجة أنها تثير النقد أو الاستهزاء من قبل الآخرين ،
وإن ببعضها مخالفة لأحكام الشرع الحنيف !!
ولو كان النقد والاستهزاء باعثاً من بواعث التراجع عن العقيدة لتراجع رسول
الله من قبل عندما استهزأ به المشركون ! ، أما المخالفة المزعومة لأحكام
الشرع فلو صح ذلك ولم يكن بحد ذاته افتراء وادعاء فلا ينبغي اتخاذ الموقف
المتشنج ، وإصدار الحكم المتطرف والمبالغة في محاربتها والدعوة لمنعها
كلياً ، وتحجيم الشعائر وحصرها في أضيق نطاق ، وبذلك إتاحة الفرصة للعدو
المترصد لتحطيم عقيدتنا ، وتمهدي الطريق له للانقضاض على ما تبقى من
تقاليدنا وشعائر ديننا ، ونحن لا ننكر وجود بعض الزوائد أو الأخطاء التي
ينبغي لحملة الفكر والمسؤولية التصدي لتهذيبها وصقلها وتوجيهها إلى طريق
الاعتدال والصواب أما الدعوة إلى محاربتها وإجتثاث جذورها والقضاء عليها
معنى ذلك قضاء على أعظم رافد من الروافد العاطفية الكبرى التي تشد الناس
بمدرسة أهل البيت عليهم السلام ، وأهدار هذه الطاقات المتدفقة بحجج واهية
ومنطق ساذج عمل غير مسؤول وأسلوب يحتاج إلى إعادة النظر في الاصرار على
طرحه والتمسك به فما كان الحسين يوماً محاضرة فلكية ولا فلسفية اقتصادية ،
وإنما الحسين ثورة جماهيرية كبرى مشتعلة في النفوس تعبر عن آلام المنكوبين
والمحرومين والشجب الطلق لكل أشكال المنكر والباطل والطغيان .
والتعبير العفوي والاندفاع التلقائي نحو هذه الأهداف يتم عبر مختلف القنوات
والأساليب التي تمارس ضمن دائرة الشعائر الحسينية الثائرة .
وبعد هذه الجولة أعتذر إذا اشتط بي القلم وخرجت عن الموضوع ، وإن كان
حديثاً عن نمط من أنماط الشعائر التي يعتبر المترجم من أبرز عناصرها
وشخصياتها الفاعلة فأعود للإشارة إلى المقتل الذي يعتبر وساماً ملازماً
للخطيب الكعبي بأنه نقل من أشرطة التسجيل إلى عالم التدوين واخرج في كتاب
تحت عنوان الحسين قتيل العبرة وقد قدم له مقدمة رائعة الشهيد المظلوم آية
الله السيد حسن الشيرازي طاب ثراه الذي سقط شهيداً برصاص الغدر والجريمة
ببيروت وهو في طريقه لحضور محفل لتأبين سيد شهداء العصر الإمام السيد محمد
باقر الصدر قدس سره ، ولعمر الله إن الرصاصة التي أردت السيد الشيرازي
مضرجاً بدم الشهادة هي ذاتها التي اخترقت قلب الشهيد الصدر وخضبته بدمه
الزاكي الطهور فلتتوحد الكلمة ولترص الصفوف في خندق واحد ضد العدو المشترك
ولتنبذ حياة التناحر والتشرذم والتفرقة المقيته التي تمزق وحدتنا ، وتنخر
وجودنا ، وتحطم هيبتنا ، ولنكن يداً واحدة وقلباً واحداً وقوة واحدة بوجه
أعدائنا وأعداء عقيدتنا المقدسة .
أما معرفتي بسماحة الشيخ الكعبي فتعود إلى أواخر الستينات وتحديداً سنة
1969 ونحن على أبواب شهر محرم الحرام ، وفي ذروة الأعداد والتهيؤ لممارسة
النشاط السنوي للمجالس الحسينية وفي فترة سفر الخطباء ليتوزعوا على مجالسهم
سواء التي منها داخل العراق أو خارجه ، وفي غمرة هذا الأعداد والنشاط بتلك
الظروف الاعتيادية أقلعت طائرة (ترايدنت) ذات الأربع محركات القديمة من
مطار بغداد قاصدة الكويت والبحرين وتقل على متنها أكثر من ثلاثين خطيباً
ليتوزعوا على مناطق تلك الدول الخليجية وأتذكر من هؤلاء الخطيب المرحوم
الشيخ هادي النويني ، والسيد جابر أغائي ، والسيد مهدي السويج ، والشيخ
باقر المقدسي ، والسيد مهدي الشيرازي ، والسيد عبد الرزاق القاموسي ،
والسيد عامر الحلو ، ... الخ ، وكان من بينهم سماحة المرحوم الكعبي ، واتفق
أن جلست إلى جانبه مباشرة وتبادلت معه أطراف الحديث والمجاملة والتعارف
وكنت يومذاك لم أكمل العقد الثاني من عمري ولم تختط عارضاي ، فغمرني بلطفه
، وأخجلني بمكارم أخلاقه حتى ودعته عند وصولي إلى الكويت وواصل هو رحلته
إلى البحرين في نفس الطائرة .
ثم التقيته مرة أخرى في أحد مجالسه العامرة في مدينة كربلاء ، فرحب بي وهو
على المنبر ، ودعاني إلى ارتقاء المنبر أمام الجماهير المحتشد تحت منبره
بكل تواضع وخلق نبيل ، وكنت يومذاك خطيباً مبتدئاً لا أجيد ألف باء الخطابة
.
وهذا إن دل على شيء إنما يدل على باذخ شرفه ، وخلقه الحسيني الأصيل ، بينما
تجد بعض الذي يمارسون هذه المهنة إذا ارتقى أحدهم المنبر كأنه الطأووس ،
وقد يخيل إليه أنه الأمبراطور الذي يأمر وينهى ، يتحدث بمنتهى الجبروت
والكبرياء لا يرى لأحد مهما كانت مكانته العلمية أو مقدرته الخطابية قيمة
أو احتراماً لشدة الغرور وقلة الأخلاق والعياذ بالله .
مولده ووفاته :
بذكرى مولد الصديقة الزهراء عليها السلام في الخامس عشر من شهر جماد الأول
في عام 1327 هـ ولد الشيخ الكعبي في كربلاء المقدسة ، وبذكرى وفاتها في
الخامس عشر من شهر جماد أيضاً عام 1394 هـ الموافق 6 / 6 / 1973 وفد على
ربه آمناً مطمئناً ، وبين الولادة والوفاة مسيرة طولها سبعاً وستين عاماً
حافلة بالعطاء والعظمة وكأن الإرادة الإلهية شاءت أن تنطلق هذه المسيرة
المظفرة مع الزهراء وولائها حتى أصبح عبد الزهراء اسماً على مسمى وكأن فيه
قول القائل :
يا قوم قلبي عند زهراء يقصده السامع iiوالرائي
لا تدعني الا بيا iiعبدها فـانه أشـرف iiأسمائي
نسبه وأسرته :
هو أبو علي الشيخ عبد الزهراء بن الشيخ فلاح بن الشيخ عباس بن الشيخ وادي
الكعبي نسبة إلى قبيلة بني كعب المنتهية إلى كعب بن لؤي بن وائل ، وقد نزحت
أسرته من المشخاب واستوطنت كربلاء(3).
دراسته وخطابته :
تعلم مبادئ القراءة والكتابة بالطرق التقليدية عند الكتاب وحفظ القرآن كله
في سن مبكرة عند الشيخ محمد السراج في الصحن الحسيني الشريف ، ثم تلقى
علومه الدينية في حوزة كربلاء على أفاضل الأساتذة وطلائع العلماء ، فقد أخذ
أوليات العلوم على العلامة الشيخ علي الرماحي ، ثم درس الفقه وأصوله على يد
العلامة الشيخ محمد الخطيب ، وتتلمذ في المنطق على الشيخ جعفر الرشتي ، وفي
علم العروض على الشيخ عبد الحسين الحويزي ، ثم أصبح هو من أساتذة الحوزة
النابهين يلقى دروسه في الفقه الإسلامي واللغة العربية على مجموعة من طلبة
العلوم الدينية .
أما خطابته فقد تلقاها عن خطيب كربلاء الشهير الشيخ محسن أبو الحب ،
والخطيب المؤلف الشيخ محمد مهدي المازندراني ومارس عمله بإتقان وإخلاص حتى
أصبح من أبرز الخطباء العراقيين ومن أساتذة المنبر المبرزين ، وقد تخرج
عليه جيل من مفاخر خطباء المنبر الحسيني كان في طليعتهم الخطيب الشهير
الشيخ عبد الحميد المهاجر والشيخ ضياء الزبيدي والشيخ علي حيدر والشيخ أحمد
معرفة وغيرهم من الجيل المعاصر وذكر أحد تلامذته أن أكثر من خمسين خطيباً
تأثروا بأسلوبه وطريقته في الخطابة ، وكان يحرص على إعداد جيل من الخطباء
متسلح بثقافة دينية صحيحة وكان ينفق جل وقته في توجيه وتربية الخطاء
الناشئين ويغدق عليهم بسخاء من مكارم أخلاقه وما يحتاجونه من خبرة منبرية
واسعة .
ومما يدمي القلب حسرة وأسفاً ألا نجد ممن يتصدر إمارة المنبر الحسيني رعاية
أو توجيهاً أو احتضاناً للجيل الجديد من الخطباء بشكل مركز ومنتظم برغم
الحاجة الماسة للرعاية والتوجيه ، وأن يبخل على أبنائه وتلامذته حتى ببعض
الوقت أو الجاه لتقديم المساعدة الضرورية الميسورة لديه ، بل على العكس من
ذلك تماماً ، فإذا نبغ أحد من هؤلاء الخطباء بكفائته وجهوده الخاصة ، وأصبح
في مكانة مرموقة ، وموضع إعجاب في قابلياته وطاقاته المنبرية ، يبادر
بسلبية وتشنج في تعامله وقد يتجاوز ذلك إلى العدوانية والمهاترات لتحطيم من
يتقدم في هذا المضمار دون وازع من ضمير أو رادع من شرف ، وذلك خلاف الخلق
الحسيني ، والتربية الدينية التي يدعو إليها سيد الشهداء عليه السلام ، وما
ذلك إلا لضيق الأفق ، وضعف الشخصية واحتكار المهنة ، وعدم التفكير المسؤول
عن مستقبل المنبر الحسيني وماله من رسالة مقدسة وأثر بالغ في التربية
والإعلام وفق مبادئ آل محمد ، وسوف يسجل التاريخ على صفاته حساباً غاضباً
على هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وسوف تلاحقهم ظلامة
زملائهم وتلامذتهم من خدمة الحسين في الدنيا والآخرة .
أجل كان شيخنا المترجم خطيباً مربياً مخلصاً في خدمته لسيد الشهداء ، وثنيت
له وسادة المنبر الحسيني في كربلاء ، ثم دعي خطيباً لإحياء المواسم
الحسينية في كل من الكويت والبحرين والإحساء والقطيف ولبنان وغيرها ، وطبق
صيته الأرجاء بقراءة المقتل الحسيني الشهير .
الكعبي والأدب العربي :
يتبادر إلى الذهن عندما يذكر الشيخ الكعبي (مقتل الحسين) وخطابة المنبر إلا
أن للشيخ الخطيب باع طويل في الأدب العربي بقسميه الفصيح والدارج ، فقد ذكر
المرجاني في كتابه خطباء المنبر أن له ديوان شعر تحت عنوان (دموع الأسى)
لايزال مخطوطاً في مكتبته بكربلاء ، ولا يعلم ذا اعتراه التلف أو الضياع في
ظل الظروف الراهنة ، ومن نماذج شعره قال مؤرخاً مسجداً في كربلاء :
ذا مـسجد قـد جـددت iiبـناءه أكــارم أهـل عـلا iiوسـؤدد
سـعى بـه عبد الأمير ذو العلى مـن قـد سما بالعز هام iiالفرقد
وشـاطرته فـي الـبناء iiعصبة تـرجو بـذاك الفوز يوم الموعد
يـا داخـلاً فـيه اذكر الله iiهدىً وبـعده صـلي عـلى iiمـحمد
واسـتـغفر الله وأرخ iiقـائـلاً شادوا على التقوى أساس المسجد
وقال في مدح شبيب المالكي :
رأيـت الـمكارم iiجذلانه تـميس فـقلت لها iiمالك
فـقالت شـبيبكم شبَّ بي فأصبح دون الورى مالكي
فـأكرم به من فتىً iiمالكٍ نـمته الـعلا لبني iiمالك
ورأيت في مجموعة خطية عند الخطيب السيد طاهر السيد حسن ملحم أبياتاً في مدح
الإمام الصادق عليه السلام لشيخنا المترجم :
لأبـي الـكاظم الإمام iiأيادٍ سـابقات نـعمُّ كـلَّ البرية
أظـهر الله فيه شرعة iiطه بـعد إخـفائها فعادت بهية
رويـت عـنه للأنام iiعلوم هي كانت من قبل ذاك خفية
فـحفظنا تلك العلوم ومن iiذا قـد عرفنا بالفرقة iiالجعفرية
وقرأت في مقال للسيد كاظم النقيب في تأبين الكعبي أنه يحفظ له من الشعر
البيتين التاليين :
ليس الشجاع الذي يرمي العدا بـشبا بتاره بالطعن iiوالحرب
بل الشجاع إن نفسه iiطمحت إلى الرذائل ساواها مع iiالربِّ
وذكر له الخطيب السيد مصطفى آل طعمة بيتين من قصيدة في مدح أمير المؤمنين
علي بن أبي طالب عليه السلام :
خـليفة طـه فـي البرية iiحيدرٌ ولـيس سـواه فـي الأنام iiأميرُ
إذا امتار أهل الأرض كيلاً فإنني سـوى حـبة تالله لـستُ iiأميرُ
وقد نشرت له مجموعة من المقالات في مجلة صوت المبلغين الكربلائية ، وله
مكتبة ضخمة تربو على العشرة آلاف كتاب ، وليس له تأليف مطبوع سوى المقتل .
المحطة الأخيرة :
في ليلة الجمعة بكربلاء سكت صوت الكعبي فجأة ، ذلك الصوت الذي كان للتو
يجلجل ناعياً أُم الأئمة بمجلس عزائها ، وتعطلت تلك الحنجرة الخارقة التي
تصدح بحزن في مصاب سيد الشهداء عليه السلام لنصف قرن من الزمن ، وتوقف ذلك
القلب الطيب العطوف ، واطفأت تلك الروح المتوثبة ، وخمدت تلك الشعلة
الحسينية المتوهجة .
لقد هجمت عليه المنية ، وباغته ريب المنون ، بعد أن حضر مجلس الفاتحة لأحد
معارفه ، وارتقى المنبر يؤبن الزهراء بذكرى وفاتها ، وبعد فراغه أحس بدوار
واضطراب نفسي شديد نقل على أثره إلى المستشفى الحسيني ، وبعد إسعافه عادوا
به إلى داره في حي الحسين ، وهناك صعدت روحه إلى بارئها ، ولفظ نفسه الأخير
، والتحق بركب الحسين مع الشهداء والصديقين .
وفي صبيحة الحدث الجلل والخسارة الفادحة هبت كربلاء عن بكرة أبيها ، وزحفت
الجماهير من كل حدب وصوب لتشيع خطيبها العظم ، فحملت نشعه على الرؤوس ورفعت
جنازته على الأكف ، وكان يوماً مشهوداً ضجت به الناس ضجة واحدة ، وحنت حنة
ثاكلة تشيعه الدموع الساخنة ، والزفرات اللاهبة ، وأصوات تسجيلاته تخترق
الأفق نعياً وحزناً حتى أنزلوه في مثواه الأخير على وعلى روحك الطيب وجسدك
الطاهر ، طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم وفزتم والله فوزاً عظيما .
(1) ـ الحسين قتيل العبرة / 47 .
(3) ـ خطباء المنبر الحسيني ج2 ص188 .
|